رفيق العجم
522
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
العقليّة هو التفاوت الذي بين السبب والمسبّب ، والعلّة والمعلول ، والفاعل والقابل ، والكامل والناقص . فإذا قدّرت شيئا ، فهو سبب لشيء ثان ، وذلك الثاني سبب لثالث ، والثالث لرابع ، إلى عشر درجات مثلا ، فالعاشر واقع في الرتبة الأخيرة ، فهو الأسفل الأدنى . والأوّل واقع في الدرجة الأولى من السببيّة ، فهو الأعلى . ويكون الأوّل فوق الثاني فوقيّة بالمعنى لا بالمكان ، والعلوّ عبارة عن الفوقيّة . إذا فهمت معنى التدريج العقليّ ، فاعلم أنّ الموجودات لا يمكن قسمتها إلى درجات متفاوتة في العقل إلّا ويكون الحقّ ، سبحانه وتعالى ، في الدرجة العليا من درجات أقسامها ، حتّى لا يتصوّر أن يكون فوقه درجة . وذلك هو العليّ المطلق . وكلّ ما سواه فيكون عليّا بالإضافة إلى ما دونه ، ويكون دنيّا أو سافلا بالإضافة إلى ما فوقه . ( مص ، 115 ، 13 ) عليم - العليم معناه ظاهر . وكماله أن يحيط بكلّ شيء علما ، ظاهره وباطنه ، دقيقه وجليله ، أوّله وآخره ، عاقبته وفاتحته . وهذا من حيث كثرة المعلومات ، وهي لا نهاية لها . ثم يكون العلم في ذاته ، من حيث الوضوح والكشف ، على أتمّ ما يمكن فيه ، بحيث لا يتصوّر مشاهدة وكشف أظهر منه . ثم لا يكون مستفادا من المعلومات ، بل تكون المعلومات مستفادة منه . ( مص ، 92 ، 6 ) عمارة البلاد - حكاية : يقال إنّ أنو شروان العادل أظهر يوما من أيام ملكه أنّه مريض ، وأنفذ ثقاته وأمناءه أن يطوفوا أقطار مملكته وأكناف ولايته ، وأن يتطلّبوا له لبنة عتيقة من قرية خربة ليتداوى بها ، وذكر لأصحابه أنّ الأطباء وصفوا له ذلك . فمضوا وطافوا جميع ولايته وعادوا فقالوا : ما وجدنا مكانا خرابا ولا لبنة عتيقة . ففرح أنو شروان وشكر إلهه وقال : إنّما أردت هذا لأجرّب ولايتي ، وأخبر مملكتي ، ولأعلم هل بقي في الولاية موضع خراب لأعمّره ؛ فالآن لم يبق مكان إلّا هو عامر ، فقد تمّت أمور المملكة وانتظمت الأحوال ، ووصلت العمارة إلى درجة الكمال . واعلم أنّ أولئك الملوك القدماء كانت همّتهم واجتهادهم في عمارة ولاياتهم بعدهم . روي أنّه كلّما كانت الولاية أعمر ، كانت الرعيّة أوفى وأشكر . وكانوا يعلمون أنّ الذي قالته العلماء ونطقت به الحكماء ، صحيح لا ريب فيه ، وهو قولهم : إنّ الدين بالملك ، والملك بالجند ، والجند بالمال ، والمال بعمارة البلاد ، وعمارة البلاد بالعدل في العباد . فما كانوا يوافقوان أحدا على الجور والظلم ، ولا يرضون لحشمهم بالخرق والغشم ، علما منهم أنّ الرعيّة لا تثبت على الجور ، وأنّ الأماكن تخرب إذا